الرئيسية -- مدينة تمارة -- قبـــائل زعير .. عــــرب أم أمـــازيغ

قبـــائل زعير .. عــــرب أم أمـــازيغ

أصول زعير:

 فيما يتعلق بمسالة أصول زعير، فهناك قولان متباينان أو نظريتان، إحداهما تشير إلى الأصل البربري لاتحادية زعير أو بعض فرقها، والأخرى تشير إلى الأصل العربي المعقلي لهذه المجموعة القبلية.

في قول زعير بربر:

هناك روايات تنسب قبائل زعير أو بعض فرقها إلى الأصل البربري، رغم أن بعضها لا يعول عليها، لأن معاصرين صححوها، خصوصا روايات المسافرين الأجانب. فقد ورد في مؤلف البعثة العلمية الفرنسية، “مدن وقبائل المغرب” في الجزء الخاص بالرباط ونواحيه، نقلا عن ابن خلدون، أن زعير تنتمي إلى فرع لواتة، إحدى بطون البربر البتر، الذين ينتسبون إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر، وأن أكثر بطون زعير مزاتة التي تضم بطونا كثيرة من قرنة، بلايان، مجيجة، دغمة، حمرة، ومدونة، وكانت لواتة في الأصل قبيلة رحالة تعيش بنواحي برقة.

ويعتبر مولاي التقي العلوي، الذي بحث كثيرا في أصول المغاربة، أن الزعريين فيهم عناصر بربرية كثيرة، وفيهم عناصر عربية قليلة. وكتب فيما يخص العناصر البربرية قائلا: “إن الزعريين أو بني زاير على ما هو موجود في طبعة “دوسلان” لابن خلدون، الذين تتحدث عنهم النصوص الموحدة من “العبر”، أكثر بطونهم مزاتة، وهي تحتوي على فروع كثيرة من جملتها دغمة وحمرة وقرنة (كرينات)، وهاته الفروع أو الأسر كلها أو جلها في زعير الحالية، كما يؤخذ من هاته النصوص أن من فروع لواتة فرعا يسمى زنارة، وهي موجودة بكثرة في إقليم تادلا ونواحيه، ومن هاته النواحي بلاد زعير الحالية، مما يثبت أن الزعريين الحاليين فيهم عناصر تتصل بلواتة عن طريق زنارة”.

وقال مولاي التقي في موضع آخر، إن قسما من العناصر اللواتية اضمحل، وقسما آخر سائر بسرعة إلى الاضمحلال والتلاشي، ولا يوجد منه إلا عناصر قليلة وغامضة، وذلك مثل فرقة الحلاليف في اتحادية زعير المختلطة، التي تشمل هي أيضا على عناصر من فرق مزاتة اللواتية من أمثال دغمة أهل الحفرة وكرينات النجدة وغيرها. وقد أكد المستعرب “لوبنياك” Loubignac أن ابن خلدون يعتبر زعير برابرة، لكنه عقب على هذا الكلام بقوله: “لكنهم تبربروا فقط من وجهة القانون الخاص والحياة الاجتماعية والأوضاع السلالية”.

أما في نهاية القرن التاسع عشر، فقد أشاع “دوفوكو”Defoucauld رواية الأصل البربري لقبيلة زعير عندما قال: “أن زعير يكونون قبيلة قوية ومستقلة من أصل أمازيغي وتتكلم الأمازيغية”. كما قال قبله مواطنه “ري” Rey وغيره أن زعير قبيلة بربرية. وبعد هؤلاء جاء الضابط الألماني “كدانفلدت” Quedenfeldt ليكذب رواية “دوفوكو”، حيث أكد على أن قبيلة زعير لسانها عربي، وأنه تأكد من ذلك مباشرة عن طريق حديثه مع رجال من زعير مرات عديدة. في حين نجد “دوسيكونزاك”Deségonzac  قسم البربر في مؤلفه إلى ثلاث مجموعات هي: أيت إدراسن، أيت أومالو وأيت إيفلمان، وأقحم زعير في مجموعة أيت أومالو مع بني حسن والشاوية وقبائل أخرى.

وقد عقب مولاي التقي العلوي حول تصنيف زعير ضمن اتحادية أيت أومالو قائلا: “وأما الزعريون فتوجد فيهم عناصر صنهاجية كثيرة اندمجت فيهم في زمان الهجرة من الجنوب وبعده، ولكنهم استعربوا تماما منذ زمان بعيد، فيمكن أن يقبلوا في صفوف الاتحادية (أي اتحادية أيت أومالو) بوجه أو بآخر”.

وباعتبار أن برغواطة هي صاحبة إقليم  تامسنا، وبلاد زعير جزء من هذا الإقليم، فلا يستبعد مولاي التقي العلوي أن تكون في زعير عناصر برغواطية مصمودية، حيث تعمد الذين سلموا من حد السيف حين عصفت بهم حملات المرابطين في عهد أبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين انتقاما منهم لقتل زعيمهم الروحي عبد الله بن ياسين (دفين زعير)، تعمدوا إخفاء الأصول الأولى، فبدلوا أسماء بطونهم وتجاهلوا أصل أرومتهم، وهذا شيء طبيعي في كل قبيل نظر إليه الجمهور نظرة غريبة وحل به ما حل بهم.

أما النسابة عبد العظيم الأزموري فيقول ما نصه: “وأما قبيلة زعير فمنهم فرقة أولاد كثيرعرب والباقي بربر”. في حين نلاحظ أن محمد السباعي في بستانه الجامع ينعت آل زعيرغير ما مرة بـ: “بربر زعير”.

ويختم مولاي التقي العلوي رأيه في أصول زعير قائلا :”وكيفما كان الحال، فالكثير من سكان زعير الحالية يرجعون بأصولهم إلى العناصر الأولى التي انحدرت منها قبائل زمور المجاورة لهم وبني مكيلد وأيت أومالو، ومن المعلوم أن هاته القبائل كلها كانت تعرف في القديم باسم زناتة وسماهم ابن خلدون صنهاجة أهل الطبقة الثالثة”

في قول زعير عرب:

إذا ما رجعنا إلى أقدم الإشارات عن زعير، نجدها تفصح بصريح العبارة عن عروبتهم، ففي بداية القرن السادس عشر، أشار الحسن الوزان في وصفه لإفريقيا، إلى أن السهول المجاورة لأدخسان، كان يقطنها أعراب يقال لهم زعير. كما أن هناك إشارات تأتي بعد الحسن الوزان وتتفق على أن زعير من القبائل العربية، فأبو العباس المعروف بأبي محلي في مؤلفه “الإصليت”، حينما عرف بشيخه أبي عبد الله محمد بن مبارك الملقب بالزعري، قال: “وهو من قبيلة عرب بالمغرب يقال لهم زعير”، وفي موضع آخر قال: “أما زعير فقد تعرفت أحوالهم مدة إقامتي عند الأستاذ (يعني شيخه سيدي محمد بن مبارك الزعري) في ديارهم بجوار الولي المشهور أبي يعزى ما عدة سنين وشهور، وهم عرب كرماء حكماء من خيار القبائل”.

وهذا أبو العباس أحمد بن محمد بن يعقوب الولالي عندما تحدث عن مناقب جده محمد بن يعقوب، قال: “ومن مناقبه –- أنه ذهب في بعض أوقاته لزيارة أبي يعزى مع واحد من أصحابه، فلما كان في بعض الطريق، اتفق أن وجدا فيه حيا من أحياء العرب، يقال لهم زعير”.

وقد رتب عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي في أقنومه قبائل زعير في باب العرب المستعجمة في بادية زمانه، حيث قال: وها أنا أذكر من للعــرب صار بوقتنا شهير النسـب إلى أن قال: فصل زعير نجدة والقفيـان بنو عبيد وكذا الرزكــان كذا المزارعة أولاد كثــير ثم الرمامحة والغير كثـير .

أما الضعيف الرباطي مؤرخ الدولة العلوية الذي كان يعرف قبائل حوزالرباط معرفة جيدة، فأكد غير ما مرة في مؤلفه على أن زعير إخوان لعرب الصباح والدغمة والسهول، وسمى تلك القبائل بعرب الويدان.

في قول زعير عرب معقل:

تحدث الحسن الوزان في كثير من المناسبات في مؤلفه “وصف إفريقيا” عن عرب المعقل الذين كانوا يظهرون بالمنطقة لعهده للانتجاع بماشيتهم إبان فصل الصيف خصوصا زعير وبني حسن الذين كانوا يجولون بماشيتهم في منخفض تكريكرة وحوض كيكو وبأم جنيبة ومضيق ابخنانس، الذي سماه بمضيق الغربان من الأطلس المتوسط، وهكذا نلاحظ أن الحسن الوزان أدرج زعير مع جارتها بني حسن في عرب معقل.

 وهذا ما ذهب إليه غيره من المؤرخين، حيث نجد في “الاستقصا” للناصري، و”الإعلام” للمراكشي، و”تاريخ الرباط” لصاحبه “كايي”Caillé، و”تاريخ المغرب” لـ”تيراس” Terrasse وغيرهم، على أن زعير من عرب السوس المعقليين، استقروا بضواحي رباط الفتح عاصمة المغرب الأقصى.

 أما المستعرب “لوبنياك” الذي اهتم بلهجة الزعريين، يذكر كذلك أن قبائل زعير ذات أصول عربية معقلية. كما دافع عن نظرية انتماء زعير لعرب معقل كل من “سيكار” “Sicard ” و”كولان” “Colin” في بحثيهما.

وعندما تعرض الأستاذ عبد الرحمان حميدة في مؤلفه “دراسة في الجغرافية البشرية”، عند الكلام عن ترحيل السلطان يعقوب المنصور الموحدي للقبائل العربية إلى سهول المغرب قال: “وأشهر هذه القبائل بنوسفيان وبنو مالك” إلى أن قال: “وسنكتفي بسرد قبيلتين من معقل تقيمان بجوار المحيط، وهما بنو احسن في سهل الغرب قرب المهدية وقبيلة زعير جنوب شرقي الرباط”.

من خلال الإشارات المختلفة الواردة في المصادر التاريخية التي عرجنا على ذكرها، يمكن الاطمئنان إلى عروبة الأصل العام الغالب لقبائل زعير، كما أن النصوص تشير إلى أن زعير عرب معقل جاءوا من مناطق الواحات، واخترقوا الأطلس الكبير والمتوسط، وانتهى بهم المطاف في محلهم الحالي على ضفاف المحيط الأطلسي بجوار مدينة الرباط.

 إضافة إلى النواة الأصلية الغالبة لقبائل زعير، والمتمثلة في عرب بني معقل، والعناصر اللواتية والبرغواطية السالفة الذكر، فلا يستبعد وجود عناصر أخرى ضمن التشكيلة الزعرية، خصوصا عرب جشم من بني هلال الذين أنزلهم يعقوب المنصور الموحدي ببسيط تامسنا في حدود عام 584/1188، علما أن مجال زعير الذي تقطنه حاليا يعد الجزء الشمالي لإقليم تامسنا التاريخي، وما يوحي لنا بذلك، كون الحسن الوزان عندما تكلم عن مدينة النخيلة التي كانت مدينة صغيرة أيام البرغواطيين، وتخربت على عهد يوسف بن تاشفين، ومع ذلك يقول الوزان ما تزال بادية للعيان أثار منها، كبقايا الأسوار، وصومعة كانت وسط مسجد، إلى أن قال: “يترك أعراب تامسنا أدواتهم الفلاحية بالقرب من هذه الصومعة عندما ينتهون من حرثهم”، وما هؤلاء الأعراب الذين تكلم عنهم الوزان إلا عرب جشم الهلاليين السالفي الذكر، فهذه العناصر كانت تقطن مجال زعير الحالي. كما توجد بقبائل زعير أسر ودواوير من المرابطين والشرفاء مثل المباركيين الذين ينحدرون من عقب سيدي محمد بن مبارك الزعري، وأسرة البوعمريين التي تنتسب إلى أبي عمرو القسطلي الأندلسي المراكشي دفين رياض العروس بمراكش وأخيه سيدي الوالي دفين زعير، إضافة إلى بعض البعزاويين الذين ينسبون إلى أبي يعزى المعروف بمولاي بوعزة دفين تاغيا من بلاد زيان، وهذا ما دفع بالأستاذ الباحث المؤرخ عبد العزيز بنعبد الله إلى القول: “أن جل المؤرخين يتفقون على أن قبائل زعير من الشرفاء”، وذلك نسبة إلى الأقطاب المذكورة.

لغة التواصل عند زعير:

 تتكلم زعير اللهجة العربية الدراجة، لكن الملاحظ أن اللهجة الزعرية تعتبر من أكثر اللهجات غنى بمفردات اللغة العربية الفصحى، فقد ظلت هذه المجموعة القبلية عالقة إلى عهد حديث بتراتها اللغوي، مما دفع بعض الباحثين إلى الاهتمام بهاته اللهجة ودراستها، وتخصيصها بالتأليف.

وهكذا نجد المستعرب الفرنسي “لوبنياك” قد خصص لهجة زعير مؤلفا تحت عنوان: “نصوص عربية لزعير”، تتبع فيه المصطلحات المستعملة في لهجة أهل زعير، ووصف لسانهم بالصفاء والخلو من كل تأثير ناتج عن اللغة المدنية أو الإدارية التي كانت تتسم بالتبجح والتشدق، وقد اعتمد “لوبنياك” في بحثه اللسني بزعير على نماذج بشرية لم يسبق لها أن تخطت أبواب المدينة أو الإقامة بها في تلك الفترة.

وحول ما جاء به “لوبنياك” في مؤلفه، يقول الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله: “لمسنا مدى الصفاء الملحوظ في الكثير من الكلمات التي درجت على ألسنة العامة من أهل زعير، مما لا نجد له مثيلا إلا عند القبائل التي لا يتطرق الشك في عروبتها”، وقد تتبع بنعبد الله مدلول اللفظ في المعاجم العربية القديمة وفي الاستعمال العامي، فحرر لائحة مطولة لهذه الكلمات، استخلصها من معجمه الكبير الموسوم بـ: “الأصول العربية للعامية المغربية”، وقد وصل عدد الكلمات التي جمعها الأستاذ المذكور من اللهجة الزعرية إلى 230 كلمة. وقد أضاف قاضي زعير محمد بن سودة التاودي إلى هذه اللائحة ما يقرب من 100 كلمة يمكن إدراجها في قاموس اللغة العربية الفصحى.

 وللباحث في الموضوع أن يظفر بمئات الكلمات والألفاظ الفصيحة التي يستعملها أهل زعير في مجادلتهم ومخاطبتهم العامية اليومية، ولا زال موضوع لهجة زعير يلقى اهتماما من لدن بعض الباحثين الأجانب حتى يومنا هذا.

شاهد أيضاً

بلح البحر “بوزروك” ، موروث الصخيرات تمارة في الطبخ المغربي

الأكيد أن المطبخ المغربي غني و متنوع، و فيه من الأطباق ما تشتهي كل الأذواق ...