الرئيسية *** منبر الرأي *** تمارة: ملاعب القرب .. البعيدة عن المواطنين

تمارة: ملاعب القرب .. البعيدة عن المواطنين

بقلم : عادل العلمي

كنت مررت مرور الكرام على موضوع ملاعب القرب بمدينة تمارة، و ما صاحبها من جدل كبير، جدل أكيد له مبرراته بحكم الأثمنة المرتفعة التي وضعتها شركة تمارة للتنمية أمام الشباب من أجل الاستفادة من هذه المرافق المفروض فيها أنها عمومية و ذات طابع اجتماعي …

سأحاول أن أستقرأ ما دار في أذهان هاته المقاولة و هي تضع لائحة الأثمنة تلك، فهي أولا و أخيرا مقاولة غايتها الربح و لا شيء غير الربح، و الأكيد أن هاته الملاعب كلفت استثمارا ضخما و أموالا طائلة، و من حق هاته المقاولة أن تستعيد ما استثمرته و زيادة ..

غير أنه و بمنطق الربح و الخسارة، و باستحضار كل المنظومات الاقتصادية الرأسمالية منها و حتى الاشتراكية، ألم يتبادر إلى أذهان القيمين على تدبير هاته الشركة بعض من المعطيات المحددة للتوجه العام كالمنافسة و الجودة و الخدمة المتكاملة و القدرة الشرائية و الظروف المحيطة و ما إلى ذلك ..

ملاعب القرب .. البعيدة عن المواطنين

لا يكفي أن نطلق تسميات من قبيل ملاعب القرب حتى تكون فعلا قريبة من روادها، فما يجلب الزبون خاصة إذا تعلق الأمر بفئة نشيطة كالأطفال و الشباب ليس هو توطين هذه الملاعب قرب منازلهم بقدر مؤشرات أخرى أكثر تأثيرا، ببساطة لأن عامل القرب يبق نسبي في غياب مؤشرات أكثر تأثيرا من قبيل الجودة و القدرة الشرائية مثلا، لذا فتوطين هاته الملاعب وجب عليه أن يتكامل مع باقي المؤثرات في اختيارات الزبون..

كما لا يكفي أن نطلق تسمية ملاعب القرب عبثا، خاصة إذا علمنا أن توطين هذه الملاعب تم بشكل أو بآخر بشكل عشوائي و مرتجل، في ظل التوزيع الغير المتكافئ لها و التركيز على أحياء  دون غيرها دون اعتماد معايير اجتماعية موضوعية، بينما حضرت المقاربة الاقتصادية في ذلك..

ملعبين في الفضاء المتواجد بين حي النهضة و حي الفردوس، و هو مكان يطرح أكثر من علامة استفهام إذ توجد هاته الملاعب تحت خطوط الضغط العالي، و و بالتالي فهي تشكل خطرا محدقا بالمستفيدين .. و هنا تبرز المقاربة الاقتصادية ثانيا، و على الأرجح تم تفويت تلك البقعة الأرضية لإنشاء ملاعب عليها فقط لكونها لن تصلح لبناء أي شيء آخر .. زد عليه أمرا خطيرا آخر ربما لم يدركه القيمون على المشروع، و هو كون جهة الرباط سلا القنيطرة باشرت عملية دفن تلك الخطوط تحت الأرض بمدينة الرباط، و حتما سيصل هذا المشروع ليشمل مدينة تمارة، و هنا سيكون على هاته الملاعب أن تندثر أو على الأقل سيشملها تعديل .. و بطبيعة الحال لكم أن تقدروا حجم الأموال التي تهدر في عمليات الإصلاح و إعادة الإصلاح أو الترقيع بمفهوم أصح …

الملاعب الأربعة الأخرى توجد بحي الوفاق، أحد الاحياء الراقية ذات الكثافة السكانية القليلة مقارنة مع أحياء شعبية أخرى، و زد عليها أربعة أخرى باولاد مطاع ، و هو بدوره من الاحياء الراقية و ذات الكثافة السكانية القليلة، و هنا تتبادر إلى الذهن أسئلة مستفزة حول القرب الذي تنشده هاته الملاعب ..

  • ما موقع الأحياء الشعبية الكبرى ذات الكثافة السكانية الفائقة من هاته المشاريع؟ و هنا نتحدث حول أحياء المغرب العربي و حي المعمورة و حي النصر و المسيرة1 دون الحديث عن التجمعات السكانية الصفيحية المنتشرة بكل أرجاء المدينة ..
  • ألم يكن بالإمكان برمجة هاته الملاعب العشرة وفق تقسيم خماسي يعطي ملعبين لكل حي من الأحياء الكبرى بالمدينة، و بالتالي توسيع دائرة المستفيدين عوض حرمان العديد من أبناء هاته الأحياء في انتظار ما قد يأتي أو لا يأتي ؟؟

رهان الجودة .. و الخدمة المتكاملة

بمعاينة أولية، يبدو العشب الاصطناعي الذي استعمل في تكسية أرضية هاته الملاعب عشبا عاديا جدا، كنظيره من العشب المستعمل في تكسية الأسقف مع بروز نتوءات كثيرة به بفعل عوامل الشمس الحار حتى قبل افتتاح هاته الملاعب، و حتى لا نكون متحيزين ، لن نخوض في مدى مطابقته للمعايير و غيرها من الكلام الفضفاض، و سنركز أكثر حول الخدمات المكملة للمشروع ..

يتضح جليا أن الشركة المستثمرة في المشروع فكرت في تزويد هاته الملاعب بمراحيض، و هو أمر محمود، غير أنها أهملت أن تزود هاته الملاعب برشاشات للاستحمام، و هنا يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري ..

  • هل تكتمل ممارسة الرياضة في غياب رشاشات الاستحمام ؟؟

من الأمور التي أثارت انتباهنا كذلك هو تزويد هاته الملاعب بأضواء كاشفة ، و هو أمر سيتيح حتما للراغبين في ممارسة الرياضة ليلا ، غير أن التجهيزات الأخرى كمرافق تغيير الملابس و الكراسي تنعدم كليا بهذه الملاعب ..

القدرة الشرائية و المنافسة .. ما لم تعره الشركة اهتماما

من بين أهم عوامل فشل المشاريع مهما بلغت درجة الاتقان فيها، هو عدم دراستها للمحيط الذي ستسوق فيه منتوجها، و بالتالي كيفية تحديد ثمن لخدماتها، و هو الأمر الذي وقعت فيه تمارة للتنمية بتحديدها لأثمنة غير مدروسة و غير مقبولة من طرف فئات عرضة من ساكنة تمارة ..

ف 300درهم للحصة الواحدة  يبقى ثمنا مبالغا فيه جدا، في ظل القدرة الشرائية المتدنية لساكنة حي الفردوس و حي النهضة، و هو عامل غير مشجع لفئات كثيرة بحي الوفاق و اولاد مطاع، لا لشيء سوى لتواجد منافسة شرسة في المجال، إذ تقترح شركات للقطاع الخاص و حتى جماعات ترابية مجاورة مثل هاته الخدمة و ربما أفضل منها بثمن أقل بكثير من الأثمنة التي حددتها شركة تمارة للتنمية ..

و بدراسة اقتصادية مقارنة، سنجد أن ثمن الحصة لدى تمارة للتنمية هي 300 درهم في نهاية الأسبوع بينما تقترح “أسواق فوت ” (ملاعب أسواق السلام تمارة)نفس الثمن نهاية الأسبوع مع إضافة خدمتين تتمثلان في الرشاشات المجانية و شريط مصور للمباراة .. و هما خدمتين لا تتوفر في ملاعب تمارة للتنمية ..

كما تقترح ملاعب ” الرباط فوت” المتواجدة بعين عتيق، أثمنة لا تتعدى 180 درهما للحصة مع نفس خدمات “أسواق فوت” و بأرضية معشوشبة من الطراز الرفيع و ملاعب مختلفة المساحات ..

أضف إلى ذلك  أن ملاعبا للقرب تابعة لجماعات ترابية مجاورة، و نخص بالذكر جماعة يعقوب المنصور ، توفر ملاعبا لقرب بقيمة مالية لا تتعدى 100 درهم للحصة الواحدة طوال الأسبوع مع نفس الخدمات المقدمة في أسواق فوت و غيرها …

إذن .. فبالرجوع إلى الاختيارات المتاحة، فالأكيد أن شريحة كبيرة ستفضل خدمات المنافسين ، و في ذلك خسارة لشركة تمارة للتنمية ماديا …

جماعة تمارة .. و شركة تمارة للتنمية

الأكيد أن هناك خلط كبير لدى عامة المواطنين حول صاحب المشروع، و من المستفيد منه و غاياته، فشركة تمارة للتنمية تبقى مقاولة خاصة غايتها الربح المادي، بينما جماعة تمارة تسعى من خلال أدوارها كهيئة منتخبة إلى تقديم خدمات مجانية إن استطاعت إلى ذلك سبيلا ، غير أن واقع الحال يصطدم بعدد من الصعوبات، فجماعة تمارة ما هي إلا شريك في الشركة و إن كانت بنسبة 51 في المائة التي تخولها طلب تغيير عدد من البنوذ، و بالتالي فأقصى ما يمكن أن يقدم عليه المنتخبون هو طلب إعادة دراسة لائحة الأثمنة المقترحة حتى تتماشى و الأهداف الاجتماعية المتوخاة من مشروع ملاعب القرب .. و بطبيعة الحال دون إلحاق خسائر جسيمة بالشركة لأنها أولا و أخيرا أنفقت و يجب أن تترك هامشا للربح ..

ختاما .. تبقى ملاعب القرب العشرة بادرة طيبة ، قد لا تمت بالقرب بصلة حاليا لدى العديد من ساكنة المدينة، لكن الأكيد أن مجلس إدارة الشركة و بإيعاز من ممثلي المجلس الثلاث عن جماعة تمارة سيحاولون إدخال تعديلات ستكون في صالح المواطن البسيط .. الى حين أن يدرك القيمون على ملاعب القرب أن الغاية هو تشجيع ممارسة الرياضة في شروط جيدة، لتحقيق غايات أسمى، ستبقى تلك الملاعب ملاعبا للنخبة و الشباب الميسور و لا أحد سواهم ..