الرئيسية *** منبر الرأي *** مول الحانوت في مسيرة إستخلاص الديون

مول الحانوت في مسيرة إستخلاص الديون

 الطيب أيت أباه – تمارة
بين حين وآن ترقبوا من مول الحانوت أن يوافيكم بآخر الفحوصات والصيحات التي تكشف آثار العلل المُصاحبة لقطاع التجارة ، أمراضٌ نعاني منها في صمت فتاك دون أدنى مواسات من الجهات المعنية ، صمتٌ مريب يحبس الأنفاس و إهمال جمّد الجلمود . تدمرٌ لايزيد المريض إلا تألما ونصبا ، تتفتت معه قلوبنا أشلاءً وتئن له الضمائر الحية توجسا . فما يُحاك في الخفاء من غيبيات أوقد نار الشكوك و أطلق عنان التخمينات من محركاتٍ تعالت أصواتها همسا ، ورويدا رويدا إخترق العويل والصراخ السكونَ ، فتعانقت الأوجاع كالرعد دَوّى وزمجر .
  ألاَ إن من نحسبهم أيقاض إنما هم رقود ، لو إطلعت عليهم لولّيت منهم إنتكاسا و لمُلئت منهم تدمرا . لقد ضاقت السبل وإنقطع الرجاء لما عمّ البلاء ، فخرج الصبور من جحره يتلمس خطى المظلومين على دروب الإحتجاج . زرافات وركبانا يتهيأون للتدافع كالموج العارم ، يقذف الأدى كما تلفظ البحار الجيف . لعل الوقت قد حان للكف من التجاهل و الإزدراء ، فقد بلغ السيل بمول الحانوت أقصى درجات الزبى ؟
  قضى مول الحانوت وأفنى حياته بكل مراحلها في تدوين سيرة الفقر بين ثنايا أكوام من الكنانيش في مواجهة أعباء أحياء بمختلف عُمّارها ، وعوض إنصافه بما يستحق من تقدير وإحترام ، تتواصل مجازاته بفتح سجلات متعددة الإعتمادات قصد تموين صناديق الدار الكبيرة ! أرى من وجهة نظري أن يحمل التجار كل سجلاتهم ويقصدون بها البرلمان ، حتى يضعوا كل الذين ساهموا في تحميلهم ما لا طاقة لهم به أمام أضخم معرض لكناش الكريدي ، كأغرب إحتجاج شهده العالم . أقترح إذا ما إستوجب الأمر ذلك إسم : مسيرة إستخلاص الديون ، وقتها سندرك من الدائن ومن المدين ؟
  هزلت ، فحتى الخبز الذي يعتبر من ضروريات العيش الكريم لدى البؤساء ، لم يسلم هو الآخر من بطش الخبثاء ، وربما لن نبالغ إذا ما قلنا أن من الخبز ما قتل ! سيما وأنه المرادف اللصيق بالرزق أو صورته التوأم في آلبوم ثقافتنا الشعبية بدليل (je travaille pour photographier un morceau de pain) ، هاته النعمة التي يطالها التخسيس أزمة بعد أخرى ، إذا ما لبث الحال على ماهو عليه ، أكاد أجزم أننا سنستيقظ في صباح ما على قطعة الخبز ، وقد أضحت في حجم قرص الأسبرين ، حينذاك سيقرر القائمون على شؤوننا ، أيهما أصلح للمستهلك ، إبتلاعها مع رشفة ماء أم تدويبها في كوب من الشاي ؟. فعلى غرار ما يقع للمريض المبتلى بداء القصور الكلوي ، نرى كيف أصاب قطعة الأغروم هاته نوع من الفشل والإعياء ، ليختل التوازن جراء ذلك على مستوى توزيع حصص المنافع بنسب معقولة بين كل المستفيدين من إنتاج وإستهلاك هذا الغداء الحيوي ، إذ كلما إشتعلت أسعار مكونات الخبز ، وإرتفعت مصاريف اليد العاملة ، وتفاقمت واجبات الطاقة ، يتقلص وزنها من الإجهاد . أرباب المطاحن يرهقونها من جهة و الموزعون من جهة وحرفيوا الخبز من جهة أخرى ، أضف إليهم كل الدائرين في فلكهم من واضعي الأصابع في هاته الدورة الخبزية ، أما المستهلك فمسترسل في تدمره المتواصل من برنامج حمية تنحيفها الصارم . هذا دون الحديث عن جحافل من العشوائيين يخبزون ليل نهار خارج طائلة القانون ، ويحاصرون المخابز العصرية بمجنزراتهم ، ومِن هؤلاء مَن يزيد الطين تاكْلا ، عندما يبيع خبز (الدار) ، فيقصد الحانوت المجاور ليجلب منه صَحّة إما شكارة للتلفيف أو فكة الأوراق النقدية . لذلك عندما نمحص ونحقق نصطدم دوما بالقصور الأخلاقي في كل مناحي حياتنا اليومية ، يظهر ذلك جليا في الخرف المستشري على مستوى تدبير الأمور المندرجة ياحسرة في خانة الأولويات . أسوء الحالات وضاعة إستنزاف وإستهلاك طاقات الشباب في الخواء و الفراغات بين الدروب والأزقة . بدون شك قد ينتهي بنا تصريفٌ من هذا القبيل إلى الذهول أمام نوع من الإبادة لموارد أيقونة هذا الشعب الطيب ، تلك التي ضلت الطريق في بلوغ من يحسن صياغتها ، وليس تمة من عائق للتنمية أفظع من هذا الإهمال ، حتى ليكاد يتفق الجميع أنك لن تعثر خلف مقود قطارنا المتعثر على شيء آخر عدا الفقر . فقر محصور في المأكل و المشرب ، لم يصنع أكثر من أجيال تهتم بالطعام أفضل من همها بالمعرفة ، تقتات من العقول و تفكر بالمعدة ، تتمرد و تثور في أقوى اللحظات سوءً ضد الذوات ، فتتنفس من إيلامها عبق الوجود المشوه ، والنتيجة أبدان أشبعناها بما لايفيد ، تسيرها عقول حجبنا عنها جوهر ما تجيد ؟
  ملخص العبث أننا برعاية الفساد مهما سلكنا من مناهج ركيكة ، تخِرُّ القوى وينهزم الإدراك ، فندور مضغوطين وفق جاذبية اللعبة ، ككراة حظ يراهن عليها تجار الظرفية . مشاهد من بورتريهات حبلى بخير وفير ، نما حتى ضاقت به الأرحام ، كأجنة تكابد للإنسلاخ من غشاء التبعية لأجلِ العبور نحو فضاء الإنطلاق ، تمخض عن ذات الوضع حراك ينطوي على شر بلا ملامح ، أغرى عيونا أسَرَها لمعان البرواز . هو أيضا مول الحانوت كذلك ، ضاق وضجر من تجديد المناعات للصمود في مواجهة شظف التعايش مع المتناقضات ، منذ رمت به مبتورا منجانيقُ الحاجة من المشتل حيث الجدور بلا رعاية ، إلى المجهول وسط غابة كثيفة الألغاز بلا بداية ولا نهاية ؟
  ماذا تتوقعون من أبناء مول الحانوت ، وهم يلاحظون كيف يتفانى كفيلهم لأجل خدمة ساكنة الحي ، مجازفا بزينة الحياة إرضاء للغريب على حساب القريب ، وفي المقابل يأتي اليوم من يحاول هدم هذا الكيان بجرة قلم ؟. شخصيا لست متشائما كوننا اللحظة نصنع الحدث ، رافضين البتة أن نكون على أكثر تقدير من أدواته ، ولكن شرط أن ينتبه كل التجار الملوحين لوسائل النقل التي عجت بها فجأة الطرق المؤدية إلى التفاوض . فمن الرزانة الكياسة في إختيار الوسيلة الأنجع والسائق المتمكن ، تجنبا لإحتمال أداء دور الشخص الذي إستقل سيارة أجرة ، في نكتة تحكي أن هذا الأخير أصابه الذهول ، حينما لاحظ أن السائق لا يكترث لإشارات الضوء الأحمر ، فقرر إستفساره عن هذا السلوك المنافي للقانون ، ليطمئنه العبقري أنه من نوابغ زمانه في هذا المضمار ، مستشهدا عن خروقاته بخزعبلات يبتلعها الراكب من موقع لازمة (سلك حسن لك) ، إلى أن توقف عند إشارة الضوء الأخضر ! ثم طفق يتفلسف أنه بهكذا إبداع ، إنما يفسح المجال لنابغة آخر كي يبتكر ويبدع ؟
  هنا وجب إتخاد القرار الصائب بالنزول من المركبة والتبليغ عن صاحبها ، قبل الإنطلاق في مغامرات أخرى ، مع التحلي بالحيطة والحذر مِنْ مادْ ماكسْ لا يجيد التأني بقدر ما يطير من المقلاة . لعل من إكتسب خبرة يفيدنا في عثرة ، إن من الخبز ما قتل ، ولكن كولشي داير بوز تحت شعار : ماكاينش مع من ؟